الشيخ السبحاني

36

رسائل ومقالات

وقال التفتازاني في مبحث المعاد : إنّ المعاد عند الحكماء روحاني فقط ، وعند جمهور المسلمين جسماني فقط بناء على أنّ الروح جسم لطيف ، وعند المحقّقين منهم كالغزالي ، والحليمي ، والراغب ، والقاضي ، وأبي زيد : روحاني وجسماني ذهاباً إلى تجرد النفس ، وعليه أكثر الصوفية والشيعة والكرامية ، وليس بتناسخ ، لأنّه عود في الدنيا إلى بدن ما ، وهذا عود في الآخرة إلى بدن من الأجزاء الأصلية للبدن الأوّل ، والقول بأنّه ليس هو الأوّل بعينه لا يضر ، وربما يؤيد بقوله تعالى : « كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها » « 1 » وقوله تعالى : « أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى » « 2 » . « 3 » وهذه الكلمات من أساطين الكلام تكشف عن أنّ مرادهم من الإعادة هو المثلية لا العينية على وجه الدقة ، فيكفي في صدق المعاد جمع الأجزاء الباقية أو خلقها ثانياً فإنّه إعادة للأوّل عرفاً وإن لم يكن إعادة بالدقة . وبذلك يستغني المتكلّمون عن إقامة البرهان على الجواز ، لما عرفت من أنّ مصبّ الحوار عندهم غير مصبّ المنع عند الحكماء ومع ذلك نذكر ما استدلوا به على الجواز . استدلال المجوّزين لإعادة المعدوم استدلّ القائلون بالجواز بوجوه : الأوّل : إنّ عود الوجود للمعدوم بعد الوجود ، لو كان ممتنعاً ، لكان ذلك الامتناع مستنداً ، إمّا إلى ماهية المعدوم نفسها ، أو إلى لازمها ، وإمّا إلى عارض من

--> ( 1 ) . النساء : 56 . ( 2 ) . يس : 81 . ( 3 ) . شرح المقاصد : 4 / 88 .